فخر الدين الرازي
5
تفسير الرازي
المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب ، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية ، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية ، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب ، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي ، فإنه أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا ، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز ، وفي هذا الوجه على الحقيقة ، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه ، أما المتعمد فإنه لا يكون داخلا تحت الآية ، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة ، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى ، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة ، وأما الشرط الثاني فهو قوله : * ( ثم يتوبون من قريب ) * وقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه : أحدها : أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب . وثانيها : للتنبيه على أن مدة عمر الانسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فإنها محفوفة بطرفي الأزل والأبد ، فإذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم . وثالثها : أن الانسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به ، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب . فان قيل : ما معنى " من " في قوله : * ( من قريب ) * . الجواب : أنه لابتداء الغاية ، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين ، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد فإنه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على الله بقوله : * ( إنما التوبة على الله ) * وبقوله : * ( فأولئك يتوب الله عليهم ) * ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فإنه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة " عسى " في قوله : * ( عسى الله أن يتوب عليهم ) * ( التوبة : 102 ) ولا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى . وقيل : معناه التبعيض ، أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنه تعالى سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا ، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب ، وإلا فهو تائب من بعيد . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال : * ( فأولئك يتوب الله عليهم ) * . فان قيل : فما فائدة قوله : * ( فأولئك يتوب الله عليهم ) * بعد قوله : * ( إنما التوبة على الله ) * . قلنا : فيه وجهان : الأول : أن قوله : * ( إنما التوبة على الله ) * إعلام بأنه يجب على الله قبولها ، وجوب الكرم والفضل والاحسان ، لا وجوب الاستحقاق ، وقوله : * ( فأولئك يتوب الله عليهم ) *